قال يحيى، قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا، أن الموصي إن أوصى في صحته أو مرضه بوصية، فيها عتاقة رقيق من رقيقه، أو غير ذلك، فإنه يغير من ذلك ما بدا له، ويصنع من ذلك ما شاء حتى يموت. وإن أحب أن يطرح تلك الوصية، ويبدلها، فعل. إلا أن يدبر مملوكا. فإن دبر، فلا سبيل له إلى تغيير ما دبر. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه، يبيت ليلتين، إلا و وصيته عنده مكتوبة». قال يحيى، قال مالك فلو كان الموصي لا يقدر على تغيير وصيته. ولا ما ذكر فيها من العتاقة. كان كل موص قد حبس ماله الذي أوصى فيه من العتاقة وغيرها. وقد يوصي الرجل في صحته وعند سفره. قال مالك: فالأمر عندنا الذي لا اختلاف فيه، أنه يغير من ذلك ما شاء، غير التدبير.
قال يحيى: وسمعت مالكا يقول: الأمر المجتمع عليه عندنا [ي: 81 - ب]. أن الضعيف في عقله. والسفيه. والمصاب الذي يفيق أحيانا تجوز وصاياهم. إذا كان معهم من عقولهم، ما يعرفون ما يوصون به. فأما من ليس معه من عقله ما يعرف بذلك ما يوصي به، وكان مغلوبا على عقله، فلا وصية له.
قال يحيى: وسمعت مالكا يقول في الرجل يوصي بثلث ماله لرجل. ويقول: غلامي يخدم فلانا ما عاش. ثم هو حر. فينظر في ذلك، فيوجد العبد ثلث مال الميت. قال: فإن خدمة العبد تقوم، ثم يتحاصان. يحاص الذي أوصي له بالثلث بثلثه. ويحاص الذي أوصي له بخدمة العبد بما قوم له من خدمة العبد. فيأخذ كل واحد منهما من خدمة العبد، أو من إجارته، إن كانت له إجارة، بقدر حصته. فإذا مات الذي جعلت له خدمة العبد ما عاش، عتق العبد.
قال: وسمعت مالكا يقول، في الذي يوصي في ثلثه، فيقول: لفلان كذا، ولفلان كذا. يسمي مالا من ماله. فيقول ورثته: قد زاد على ثلاثة: فإن الورثة يخيرون، بين أن يعطوا أهل الوصايا وصاياهم، ويأخذون جميع مال الميت. وبين أن يقسموا لأهل الوصايا ثلث مال الميت. فيسلمون إليهم ثلثه. فتكون حقوقهم فيه إن أرادوا، بالغا ما بلغ.
قال يحيى: سمعت مالكا يقول: أحسن ما سمعت في وصية الحامل وفي قضاياها في مالها وما يجوز لها. أن الحامل كالمريض. فإذا كان المرض الخفيف، غير المخوف على صاحبه، فإن صاحبه يصنع في ماله ما يشاء. فإذا كان المرض المخوف عليه، لم يجز لصاحبه شيء إلا في ثلثه.
قال: وكذلك المرأة الحامل. أول حملها بشر وسرور. وليس بمرض ولا خوف. لأن الله تبارك وتعالى قال في كتابه: {فبشرناها بإسحق ومن وراء إسحق يعقوب} [هود 11: 71] وقال تبارك وتعالى: {حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين} [الأعراف 7: 189]. قال: فالمرأة الحامل إذا أثقلت لم يجز لها قضاء إلا في ثلثها. فأول الإتمام ستة أشهر. قال الله تبارك وتعالى في كتابه: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين} [البقرة 2: 233] وقال: {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} [الأحقاف 46: 15] فإذا مضى للحامل ستة أشهر من يوم حملت لم يجز لها قضاء في مالها، إلا في الثلث.
قال يحيى: وسمعت مالكا يقول، في الرجل يحضر القتال: إنه إذا زحف في الصف للقتال، لم يجز له أن يقضي في ماله شيئا إلا في الثلث. وإنه بمنزلة الحامل والمريض المخوف عليه ما كان بتلك الحال.
قال يحيى: سمعت مالكا يقول في [ق: 129 - أ] هذه الآية: إنها منسوخة. قول الله تبارك وتعالى: {إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين} [البقرة 2: 180] نسخها ما نزل من قسمة الفرائض في كتاب الله.
قال: وسمعت مالكا يقول: السنة الثابتة عندنا التي لا اختلاف فيها أنه لا يجوز وصية لوارث. إلا أن يجيز له ذلك ورثة الميت. وأنه إن أجاز له بعضهم. وأبى بعض. جاز له حق من أجاز منهم. ومن أبى، أخذ حقه من ذلك.
قال يحيى: وسمعت مالكا يقول في المريض الذي يوصي، فيستأذن ورثته في وصيته وهو مريض، ليس له من ماله إلا ثلثه. فيأذنون له أن يوصي لبعض ورثته بأكثر من ثلثه: إنه ليس لهم أن يرجعوا في ذلك. ولو جاز ذلك لهم، صنع كل وارث ذلك فإذا هلك الموصي، أخذوا ذلك لأنفسهم. ومنعوه الوصية في ثلثه. وما أذن له به في ماله. قال: فأما أن يستأذن ورثته في وصية يوصي بها لوارث [ي: 82 - ب] في صحته، فيأذنون له. فإن ذلك لا يلزمهم. ولورثته أن يردوا ذلك إن شاؤا. وذلك أن الرجل إذا كان صحيحا كان أحق بجميع ماله يصنع فيه ما شاء. إن شاء أن يخرج من جميعه، خرج يتصدق به. أو يعطيه من شاء. وإنما يكون استئذانه ورثته جائزا على الورثة، إذا أذنوا له حين يحجب عنه ماله، ولا يجوز له شيء إلا في ثلثه. وحين هم أحق بثلثي ماله منه. فذلك حين يجوز عليهم أمرهم وما أذنوا له به. فإن سأل بعض ورثته أن يهب له ميراثه حين تحضره الوفاة فيفعل. ثم لا يقضي فيه الهالك شيئا. فإنه رد على من وهبه. إلا أن يقول له الميت: فلان، لبعض ورثته، ضعيف. وقد أحببت أن تهب له ميراثك فأعطاه إياه فإن ذلك جائز إذا سماه الميت له. قال: وإن وهب له ميراثه. ثم أنفذ الهالك بعضه وبقي بعضه فهو رد على الذي وهب. يرجع إليه ما بقي بعد وفاة الذي أعطيه.
قال: وسمعت مالكا يقول، في من أوصى بوصية فذكر أنه قد كان أعطى بعض ورثته شيئا لم يقبضه. فأبى الورثة أن يجيزوا ذلك فإن ذلك يرجع إلى الورثة ميراثا على كتاب الله. لأن الميت لم يرد أن يقع شيء من ذلك في ثلثه. ولا يحاص أهل الوصايا في ثلثه بشيء من ذلك.
قال يحيى: سمعت مالكا يقول، في الرجل يبتاع السلعة من الحيوان أو الثياب أو العروض فيؤخذ ذلك البيع غير جائز. فيرد ويؤمر الذي قبض السلعة أن يرد إلى صاحبه سلعته. قال: فليس لصاحب السلعة إلا قيمتها يوم قبضت منه. وليس يوم يرد ذلك إليه. وذلك أنه ضمنها من يوم قبضها. فما كان فيها من نقصان بعد ذلك كان عليه. فبذلك كان نماؤها وزيادتها له. وإن الرجل يقبض السلعة في زمان هي فيه نافقة مرغوب فيها. ثم يردها في زمان هي فيه ساقطة. لا يريدها أحد. فيقبض الرجل السلعة من الرجل فيبيعها بعشرة دنانير. أو يمسكها وثمنها ذلك ثم يردها، وإنما ثمنها دينار. فليس له أن يذهب من مال الرجل بتسعة دنانير. أو يقبضها منه الرجل فيبيعها بدينار. أو يمسكها. وإنما ثمنها دينار. ثم يردها وقيمتها يوم يردها عشرة دنانير. فليس على الذي قبضها أن يغرم لصاحبها من ماله تسعة دنانير. إنما عليه قيمة ما قبض يوم قبضه. قال: ومما يبين ذلك. أن السارق إذا سرق السلعة. فإنما ينظر إلى ثمنها يوم يسرقها. فإن كان يجب فيه القطع. كان ذلك عليه. وإن استأخر قطعه. إما في سجن يحبس فيه حتى ينظر في شأنه. وإما أن يهرب السارق ثم يؤخذ بعد ذلك. فليس استئخار قطعه بالذي يضع عنه حدا قد وجب عليه يوم سرق. وإن رخصت تلك السلعة بعد ذلك. ولا بالذي يوجب عليه قطعا لم يكن وجب عليه يوم أخذها. إن غلت تلك السلعة بعد ذلك.
قال يحيى: سمعت مالكا يقول: [ي: 83 - ب] من استعان عبدا بغير إذن سيده في شيء له بال. ولمثله إجارة [ق: 130 - أ] فهو ضامن لما أصاب العبد. إن أصيب العبد بشيء. وإن سلم العبد، فطلب سيده إجارته لما عمل، فذلك لسيده. وهو الأمر عندنا.
قال يحيى: سمعت مالكا يقول، في العبد يكون بعضه حرا وبعضه مسترقا: إنه يوقف ماله بيده. وليس له أن يحدث فيه شيئا ولكنه يأكل فيه ويكتسي بالمعروف. فإذا هلك، فماله للذي بقي له فيه الرق.
قال يحيى: سمعت مالكا يقول: السنة عندنا في جناية العبيد. أن كل ما أصاب العبد من جرح جرح به إنسانا. أو شيئا اختلسه. أو حريسة احترسها. أو ثمر معلق جذه أو أفسده أو سرقة سرقها لا قطع عليه فيها. إن ذلك في رقبة العبد. لا يعدو ذلك الرقبة. قل ذلك أو كثر. فإن شاء سيده أن يعطي قيمة ما أخذ غلامه، أو أفسد. أو عقل ما جرح، أعطاه. وأمسك غلامه. وإن شاء أن يسلمه، أسلمه. ليس عليه شيء غير ذلك. فسيده في ذلك بالخيار.